الصالحي الشامي

357

سبل الهدى والرشاد

الباب الخامس عشر في عدوان المشركين على المستضعفين ممن أسلم بالأذى والفتنة قال ابن إسحاق : ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين أسلموا ، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر ممن استضعفوه منهم ، فمنهم من يفتتن من شدة البلاء الذي يصيبهم ومنهم من تصلب لهم ويعصمه الله تعالى . روى ابن إسحاق عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يعذرون به في ترك دينهم ؟ قال : نعم ، والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ( 1 ) ويعطشونه حتى ما يقدر يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به حتى يقولوا له : اللات والعزى إلهك من دون الله ؟ فيقول : نعم حتى إن الجعل ليمر بهم فيقولون له : هذا الجعل إلهك من دون الله فيقول نعم . افتداء مما يبلغون من جهدهم . وكان أبو جهل الخبيث هو الذي يغري بهم رجال قريش ، إذا سمع بالرجل أسلم له شرف ومنعة أنبه [ وأخزاه ] فقال : تركت دين أبيك وهو خير منك ، لنفسهن حلمك ولنفيلن رأيك ولنضعن شرفك . وإن كان تاجرا قال : والله لنكسدن تجارتك ولنهلكن مالك . وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به . فمن المستضعفين بلال رضي الله عنه ، وكان صادق الإسلام طاهر القلب . قال ابن إسحاق وغيره : فكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه فعلى ظهره في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له : لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزي فيقول وهو في ذلك البلاء : أحد أحد أنا كافر باللات والعزى . وروى البلاذري عن عمرو بن العاص قال : مررت ببلال وهو يعذب في الرمضاء ولو أن بضعة لحم وضعت عليه لنضجت وهو يقول : أنا كافر باللات والعزى . وأمية مغتاط عليه فيزيده عذابا فيقبل عليه فيدغت في حلقه فيغشى عليه ثم يفيق . وروى ابن سعد عن حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال : حججت - أو قال اعتمرت - فرأيت بلالا في حبل طويل يمده الصبيان وهو يقول : أحد أحد أنا أكفر باللات والعزى وهبل ونائلة وبوانة فأضجعه أمية في الرمضاء .

--> ( 1 ) في أويجوعونه .